حين لا يكون الرئيس رئيساً
د. محمد شادي كسكين - السويد
يحتل منصب الرئاسة أهمية خاصة من كونه يشكل المؤسسة الحاكمة التي تمتلك حق الإشراف على مؤسسات وبرامج الدولة. وهي بهذه الصفة تمتلك الحق الاعتباري والفخري كراعية عليا لمصالح الشعب الذي اختارها.
وبداية فإنه ربما كان عليّ التوضيح أن هذا المقال لا يمس بأي اتجاه كان مقام "منصب الرئاسة" وإنما يتناول جزءاً بسيطاً من سياسات القائم على هذا المنصب وهو "الرئيس".
وصل سيادة الرئيس محمود عباس "أبو مازن" إلى سدة الرئاسة بعد أن أصبح هذا المنصب شاغراً بوفاة الرئيس الراحل "ياسر عرفات" في الحادي عشر من نوفمبر عام 2004م وبنتيجة ترشيح حركة التحرير الفلسطيني "فتح "له لهذا المنصب وبناءً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت بتاريخ 9 يناير 2005م وبنسبة تأييد بلغت 62,32% من بين 7 مشاركين وهو رقم لا يمثل أكثر من 45% تقريباً من الناخبين الفلسطينيين.
في الفترة التي تلت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية عبر 39.6% من المستطلعة آراؤهم بأن الرئيس محمود عباس سيفي بإجراء الإصلاحات ومحاربة الفساد، و40.4% بتوفير الأمن للمواطنين التي وعد بها في برنامجه الانتخابي. وأعتقد 44.4% بأن الرئيس محمود عباس قادر على إجراء إصلاحات جذرية في مؤسسات السلطة الفلسطينية، فيما كانت نسبة الذين أفادوا بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قادراً على محاربة الفساد هي 61.5% و 39.2% يعتقدون بأنه قادر على الحد من الواسطة في التعيينات للوظائف العامة!
وبالعودة إلى الملف الإسرائيلي فإن إصرار الرئيس أبو مازن على توقيع اتفاق سلام مع "إسرائيل" بعد اندحار الجيش الإسرائيلي من غزة فوّت على الجانب الفلسطيني الإمساك بورقة المقاومة خلال المفاوضات. ومنذ تسلم الرئيس لمهامه لم تحقق المفاوضات والاتصالات الجارية مع اللجنة الرباعية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" إلا عن عقد قمم أكد فيها المشاركون تمسكهم بالعملية السلمية ومحاربة الإرهاب!
كانت البداية بتناقضٍ سَجَلَهُ المراقبون السياسيون حين احتفظ الرئيس عباس بالصلاحيات ذاتها وأكثر. تلك التي شكلت محور خلافاته مع الرئيس الراحل ياسر عرفات وسببت استقالته أو إقالة حكومته بمعنى أصح.
لقد فوت الرئيس أبو مازن باعتباره رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الفرصة التاريخية الأولى من نوعها بعدم موافقته على مشاركة حركة التحرير الفلسطيني "فتح" في الحكومة الجديدة ورغم ما قيل يومها من أن "الرئيس محمود عباس بات مختطفاً" بمعنى أنه يخضع لرغبات أطراف وقوى معينة لا ترغب في إنجاح مهمة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الائتلافية إلا أن القرار الأول والأخير إعلامياً كان بقرار منه في حين بقي أصحاب الرغبات وراء الكواليس.
وفي حين وصفت حكومة السيد أحمد قريع أبو العلاء بالضعيفة والضعيفة جداً في أدائها السياسي والأمني والاقتصادي. فإن الرئيس لم يتخذ قراراً أو يفكر بالتهديد بإقالتها. في حين لجأ الرئيس إلى التهديد بإسقاط الحكومة التي يترأسها السيد إسماعيل هنية بعد أقل من مرور مائة يوم على تشكيلها!
ورغم أن الرئيس يدرك البرنامج الانتخابي الذي أوصل حركة "حماس" إلى سدة الحكم. فإن أولى تصريحاته تضمنت التلميح ثم التصريح ثم التهديد بوجوب الاعتراف بـ"إسرائيل".
وكانت ثالثة الأثافي حين استبق الرئيس محمود عباس مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني بتحديد مهلة زمنية وتشبث بإجراء الحوار في رام الله دون تبريرات منطقية!
وفي حين عملت الحكومة المحاصرة وشعبها على فك الحصار الذي توافقت عليه معظم دول العالم فاجأ الرئيس محمود عباس الشعب الفلسطيني أولاً والعالم ثانياً باجتماعات لتقويض الحكومة هنا وهناك. ثم بردة فعل أولية على الاتهامات الأردنية لحركة حماس بتصريحه الشهير الذي أدلى به "إنها معلومات خطيرة وهامة"! مسجلاً سبقاً عالمياً ولأول مرة بتأييد رئيس دولة لاتهامات دولة مجاورة لحكومة بلاده! وجاءت قصة الأموال التي أدخلها الناطق الرسمي باسم حركة حماس وتوقيفه ومصادرة الأموال ثم قراره الشهير بإحالته إلى القضاء بتهمة "تهريب الأموال"!
الرئيس محمود عباس وعشية ردة الفعل الفلسطينية المقاومة ضد جرائم الاحتلال لم يكتف بصيغة "االتنديد" المتعارف عليه في أوساط سياسي السلطة الفلسطينية بل تجاوز كل أدبيات الحركات الفلسطينية الشعبية المقاومة منذ أكثر من خمسين عاماً ليصف العملية الاستشهادية التي نفذها الشهيد" سامي حماد" بالحقيرة ومنفذها بالحقير!!
وفي حين لم يحالف الرئيس الحظ في انتقاء الكلمات والاكتفاء بالتنديد الاعتيادي المعهود بهذه العملية – وهذا شيء يتفهمه – الشعب الفلسطيني.. فإن الحظ لم يحالفه أيضاً حين وقع عشية مجزرة غزة الأخيرة والشهيرة مرسوم يقضي بإجراء استفتاء شعبي على ما سمي"بوثيقة الأسرى" متجاهلاً كل النداءات لإعطاء الحوار الوقت اللازم للنجاح!
الرئيس محمود عباس بإصراره على توقيع المرسوم في ظل شلال الدم قدم براءة لـ"إسرائيل" من كل جرائمها خاصة وهو لم يتجاوز في تنديده وصف العملية الإسرائيلية بالوحشية والإرهابية! ورغم أن أسرى الفصائل الفلسطينية تراجعوا عن موافقتهم على الوثيقة التي تتضمن اعترافاً بدولة "إسرائيل" فإن الرئيس غامر بإحداث شرخ تاريخي بين شرائح المجتمع الفلسطين تجنب الراحل الرئيس ياسر عرفات الوقوع فيه مراراً!
ورغم كون الرئيس الراحل ياسر عرفات فاوض وناور وتنازل في بعض الأحيان إلا أنه ظل محافظاً على الشعرة التي تربطه ببقية الفصائل الفلسطينية التي تعارض سياسته. وهي الشعرة التي قطعها الرئيس الحالي محمود عباس ببساطة ودون اكتراث!
الرئيس عباس وخلال عام كامل من تاريخ تنصيبه في يناير 2005 إلى يناير 2006 لم يستطع إنجاز شيء يذكر لا على الصعيد الداخلي لحركة فتح وتحسين أدائها ولا على الصعيد الداخلي للشعب الفلسطيني ولا على صعيد المفاوضات مع "إسرائيل" ولكن ما إن تم إجراء الانتخابات التشريعية وفوز حركة حماس بالأغلبية، حتى ظهرت كل اهتمامات الرئيس بتنشيط ملف المفاوضات والوحدة الوطنية والخوف على لقمة الشعب وضرورة إخراجه من الأزمة الاقتصادية الخانقة دفعة واحدة!
الحديث ذو شجون، لكن أخر أخطاء الرئيس كانت في عدم استخدامه ورقة ضغط "الحكومة الجديدة" لتحصيل تنازلات من "إسرائيل"، بل وذهابه بعيداً في استخدام "ورقة الضغط الإسرائيلية" ليحصل على تنازلات فلسطينية لصالح "إسرائيل"، وكان الأسوأ في هذا المسلسل من الأخطاء هو تلقي الرئيس أسلحة أمريكية وإسرائيلية لدعم حرسه الرئاسي في ظل التخوف الشعبي من خطر الانجرار وراء كابوس الحرب الأهلية التي توقد نارها يومياً ما يسمى "بقوى الضغط الخلفي" ابتداء من الأمن الوقائي وفرق الموت وعمليات الخطف والاغتيالات والاعتداء على المؤسسات الفلسطينية التي دفع الشعب الفلسطيني دمه وجهده لبنائها!
بعد أكثر من سنة ونصف في سدة الرئاسة، بقي الذين أمدوا "إسرائيل" بإسمنت الجدار العازل. وأصبح بائعو الطحين الفاسد أكثر ثراء. وأصبحت بنوك فلسطين ترفض صرف الرواتب لمواطني فلسطين تلك التي جمعت بشق الأنفس من هنا وهناك، لقوت الناس وحليب أطفالهم..! وتنامت قوة الفلتان والإرهاب، وبقي الرئيس محمود عباس رئيساً !